يناقش الكاتب شاهين كاتيبارامبيل واقع حرية التعبير في بريطانيا وأوروبا، ويجادل بأن هذا المبدأ لم يُطبَّق بصورة متساوية على جميع الفئات، بل استُخدم في كثير من الأحيان لحماية الخطابات المعادية للمسلمين، بينما واجه المسلمون والناشطون المناهضون للعنصرية قيوداً وانتقادات متزايدة كلما عبّروا عن مواقفهم السياسية أو الاجتماعية.
ويشير موقع "ميدل إيست آي" إلى أن الجدل الذي رافق مسيرة "وحّدوا المملكة" اليمينية المتطرفة في لندن كشف مجدداً هذا التناقض. فقد دافع مؤيدو المسيرة عن الشعارات المعادية للمهاجرين والمسلمين تحت شعار حرية التعبير، بينما صوّروا الانتقادات الموجهة إليها على أنها محاولة لإسكات الرأي المخالف أو تقييد الحريات الديمقراطية.
حرية التعبير ومعايير مزدوجة تجاه المسلمين
يرى الكاتب أن الخطاب السائد في أوروبا لم يعد يستخدم مفهوم حرية التعبير لحماية الحقوق الديمقراطية العامة بقدر ما يستخدمه لتبرير مواقف تستهدف الأقليات العرقية والدينية، وخاصة المسلمين. وفي المقابل، تواجه الأصوات المسلمة التي تنتقد الإسلاموفوبيا أو تدافع عن الحقوق الفلسطينية اتهامات متكررة بإثارة الانقسام أو تهديد الاستقرار الاجتماعي.
ويبرز هذا التناقض بوضوح في النقاشات المتعلقة بتعريف الإسلاموفوبيا داخل بريطانيا. فبينما يعترض بعض السياسيين والإعلاميين على أي تعريف رسمي للمصطلح بحجة حماية حرية التعبير، يدافع كثيرون في الوقت نفسه عن التصريحات المسيئة للمسلمين باعتبارها نقداً مشروعاً أو شكلاً من أشكال السخرية السياسية.
ويؤكد الكاتب أن القضية الحقيقية لا تتعلق بحرية الكلام نفسها، بل تتعلق بمن يُسمح له بالكلام، ومن تُحترم مظالمه، ومن يُنظر إليه باعتباره خطراً على المجتمع والدولة.
جذور تاريخية للدفاع عن الخطاب العنصري
يعيد المقال جذور هذه الظاهرة إلى تاريخ طويل في بريطانيا، حيث واجهت الجهود المناهضة للعنصرية مقاومة مستمرة تحت شعارات الدفاع عن الحريات العامة. وعندما سعت الحكومات البريطانية إلى إصدار قوانين لمكافحة التمييز العنصري خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، اعتبر معارضو تلك القوانين أنها تهدد حرية التعبير والقيم البريطانية التقليدية.
واستخدم كثير من السياسيين المحافظين آنذاك لغة مشابهة للخطاب المعاصر، إذ ركزوا على ما وصفوه بخطر الرقابة وتقييد الآراء، بدلاً من التركيز على معالجة العنصرية نفسها. ويرى الكاتب أن هذا النمط ما زال حاضراً حتى اليوم، حيث يتحول النقاش من مواجهة الكراهية إلى الدفاع عن حق أصحابها في التعبير عنها.
كما امتد هذا الجدل إلى المجال الثقافي والإعلامي، إذ غالباً ما يواجه منتقدو الصور النمطية العنصرية اتهامات بالمبالغة أو عدم فهم الفكاهة. ويستشهد الكاتب بحادثة سخرية علنية من لباس النساء المسلمات خلال إحدى الفعاليات اليمينية، حيث حاول بعض الإعلاميين التقليل من خطورة الواقعة عبر وصفها بأنها مجرد مزحة.
فلسطين والإسلاموفوبيا واستثناء حرية التعبير
يؤكد المقال أن أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا التناقض تظهر في التعامل مع التضامن مع فلسطين. فمنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، فرضت جامعات وحكومات غربية قيوداً متزايدة على الأنشطة المؤيدة للفلسطينيين، وواجه أكاديميون وطلاب وناشطون إجراءات رقابية وعقوبات مختلفة بسبب مواقفهم السياسية.
ويرى الكاتب أن هذا الواقع يكشف ما يسميه بعض الباحثين "الاستثناء الفلسطيني" في حرية التعبير، حيث تتراجع المبادئ الليبرالية عندما يتعلق الأمر بالأصوات الداعمة للحقوق الفلسطينية أو المنتقدة للسياسات الإسرائيلية.
ويخلص المقال إلى أن حرية التعبير لم تكن عبر التاريخ مبدأً محايداً بالكامل، بل ارتبطت دائماً بموازين القوة والنفوذ داخل المجتمع. ولذلك فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالكلمات وحدها، بل يتعلق بمن يملك حق إسماع صوته، ومن تُعترف إنسانيته، ومن تُهمَّش مطالبه تحت شعارات تبدو في ظاهرها دفاعاً عن الحرية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-freedom-speech-has-never-applied-muslims

